ابن عجيبة
209
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يدخر له أفضل منه ، وإما أن يدفع عنه من السوء مثله » « 1 » . وأيضا : إذا حصل الاضطرار الحقيقي حصلت الإجابة قطعا ، إما بعين المطلوب ، أو بما هو أتم منه ، وهو الرضا والتأييد . وَيَكْشِفُ السُّوءَ وهو الذي يعترى الإنسان مما يسوؤه ، كضرر أو جور ، وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أي : خلفاء فيها ، تتصرفون فيها كيف شئتم ، بالسكنى وغيره ، وراثة عمن كان قبلكم من الأمم ، قرنا بعد قرن . أو : أراد بالخلافة : الملك والتسلط . أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ الذي يفيض على الخلق هذه النعم الجسام ، يمكن أن يعطيكم مثلها ؟ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ « 2 » أي : تذكرا قليلا ، أو : زمانا قليلا تتذكرون فيه . و « ما » : مزيدة ، لتأكيد معنى القلة ، التي أريد بها العدم ، أو : ما يجرى مجراه في الحقارة وعدم الجدوى . وتذييل الكلام بنفي عدم التذكر منهم إيذان بأن وجود التذكر مركوز في ذهن كل ذكى ، وأنه من الوضوح بحيث لا يتوقف إلا على التوجه إليه وتذكره . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : الاضطرار الحقيقي الذي لا تتخلف الإجابة عنه في الغالب : هو أن يكون العبد في حال شدته كالغريق في البحر وحده ، لا يرى لغياثه غير سيده . وقال ذو النون : هو الذي قطع العلائق عما دون اللّه . وقال سهل بن عبد اللّه : هو الذي رفع يديه إلى اللّه تعالى داعيا ، ولم تكن له وسيلة من طاعة قدّمها . ه . بل يقدم إساءته بين يديه ، ليكون دعاؤه بلا شئ يستحق عليه الإجابة ، إلا من محض الكرم . قال القشيري : يقال للجناية : سراية ، فمن كان في الجناية مختارا ، فليس يسلم له دعوى الاضطرار عند سراية جرمه الذي سلف ، وهو في في ذلك مختار ، فأكثر الناس أنهم مضطرون ، وذلك الاضطرار سراية ما برز منهم في حال اختيارهم ، وما دام العبد يتوهم من نفسه شيئا من الحول والحيل ، ويرى لنفسه شيئا من الأسباب يعتمد عليه ، ويستند إليه ، فليس بمضطر ، إلا أن يرى نفسه كالغريق في البحر ، والضّالّ في المتاهة . والمضطر يرى غياثه بيد سيّده ، وزمامه في قبضته ، كالميت في يد غاسله ، ولا يرى لنفسه استحقاقا في أن يجاب ، بل اعتقاده في نفسه أنه من أهل السخط ، ولا يقرأ اسمه في ديوان السعادة ، ولا ينبغي للمضطر أن يستعين بأحد في أن يدعو له ؛ لأن اللّه وعد الإجابة له ؛ لا من يدعو له . ه . وبحث معه المحشى الفاسي في بعض ألفاظه ، فانظره . قوله تعالى : وَيَكْشِفُ السُّوءَ . أي : ما يسوء القلب ويحجبه عن مولاه ، من أكدار وأغيار ، وقوله : ( ويجعلكم خلفاء الأرض ) أي : تتصرفون في الوجود بأسره ، بهمتكم ، إن زال غم الحجاب عنكم ، وشاهدتم ربكم بعين
--> ( 1 ) جاء بلفظ : « ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ، ولا قطيعة رحم ، إلا أعطاه اللّه بها إحدى ثلاث ؛ إما أن يجعل له دعوته ، وإما أن يدخرها له في الآخرة ، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها . . » الحديث ، أخرجه أحمد في المسند ( 3 / 18 ) والحاكم ( 1 / 493 ) وصححه ، ووافقه الذهبي ، والبزار ( كشف الأستار ، ح 3143 ، 3144 ) من حديث أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه . ( 2 ) قرأ حفص ، وحمزة ، والكسائي « تذكرون » بتخفيف الذال . انظر الإتحاف ( 2 / 332 ) .